الشيخ محمد رشيد رضا

148

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وفيه رواية أخرى أصرح في المراد وهي ما أخرجه ابن مردويه باسناد مسلم قالت : أنا أول من سأل رسول اللّه « ص » عن هذا فقلت يا رسول اللّه هل رايت ربك ؟ فقال « لا ، انما رايت جبريل منهبطا » الخ ومنهم من نظر في الروايات لأجل التمحيص وتحقيق الحق فيها كشيخ الاسلام ابن تيمية والحافظ ابن حجر فبينا ان الروايات عن ابن عباس بعضها مطلق وبعضها مقيد بالرؤية القلبية لا البصرية فإذا حكمت فيها فاعدة حمل المطلق على المفيد زال التعارض بينها وبين حديث عائشة وما في معناه قال الحافظ في شرح البخاري : جاءت عن ابن عباس أخبار مطلقة وأخرى مقيدة فيجب حمل مطلقها على مقيدها ، فمن ذلك ما أخرجه النسائي بسند صحيح وصححه الحاكم من طريق عكرمة عنه : أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد ، وأخرجه ابن خزيمة بلفظ : ان اللّه اصطفى إبراهيم بالخلة الخ وأخرج ابن إسحاق من طريق عبد اللّه بن أبي سلمة ان ابن عمر ارسل إلى ابن عباس : هل رأى محمد ربه ؟ فأرسل اليه أن نعم ( وسها ) ما اخرجه مسلم من طريق أبي العالية عن ابن عباس « رض » في قوله تعالى ( ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى - وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ) قال رأى ربه بفؤاده مرتين ، وله من طريق عطاء عنه قال رآه بقلبه . وأصرح منه ما اخرجه ابن مردويه عنه من طريق عطاء أيضا قال : لم يره رسول اللّه « ص » بعينه انما رآه بقلبه اه ملخصا ، وقد روى الترمذي عن الشعبي ان ابن عباس « رض » سمع حديث قسمة الكلام والرؤية بين موسى ومحمد « ص » من كعب الأحبار في عرفة ! ! فعلم مما تقدم ان ما روي عن ابن عباس من الاثبات هو الذي يصح فيه ( ما قيل خطأ في نفي عائشة ) انه استنباط منه لم يكن عنده حديث مرفوع فيه ، وانه على ما صح عنه من تقييده بالرؤية القلبية معارض مرجوح بما صح من تفسير النبي ( ص ) لايتي سورة النجم وهو انهما في رؤيته ( ص ) لجبريل بصورته التي خلقه اللّه عليها ، على أن رواية عكرمة عنه لا يبعد أن تكون مما سمعه من كعب الاخبار الذي قال فيه معاوية ان كنا لنبلو عليه الكذب كما في صحيح البخاري ، ورواية ابن إسحاق لا يعتد بها في هذا المقام فإنه مدلس وهو ثقة في المغازي لا في الحديث - فالاثبات المطلق عنه مرجوح رواية كما هو مرجوح دراية